السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
414
مختصر الميزان في تفسير القرآن
بيان : قوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ - إلى قوله - أَجَّلْتَ لَنا يقال : أكثر من الشيء أو الفعل واستكثر منه إذا أتى بالكثير ، واستكثار الجن من الإنس ليس من جهة أعيانهم فإن الآتي بأعيانهم في الدنيا والمحضر لهم يوم القيامة هو اللّه سبحانه ، وإنما للشياطين الاستكثار مما هم مسلطون عليه وهو إغواء الإنس من طريق ولايتهم عليهم وليست بولاية إجبار واضطرار بل من قبيل التعامل من الطرفين يتبع التابع المتبوع ابتغاء لما يرى في اتباعه من الفائدة ، ويتولى المتبوع أمر التابع ابتغاء لما يستدر من النفع في ولايته عليه وإدارة شؤونه ، فللجن نوع التذاذ من إغواء الإنس والولاية عليهم ، وللإنس نوع التذاذ من اتباع الوساوس والتسويلات ليستدروا بذلك اللذائذ المادية والتمتعات النفسانية . وهذا هو الذي يعترف به أولياء الجن من الإنس بقولهم : ربنا استمتع بعضنا ببعض فتمتعنا بوساوسهم وتسويلاتهم من متاع الدنيا وزخارفها ، وتمتعوا منا بما كانت تشتهيه أنفسهم حتى آل أمرنا إلى ما آل إليه . ومن هنا يظهر - كما يعطيه السياق - أن المراد بالأجل في قولهم : « وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا » الحد الذي قدر لوجودهم والدرجة التي حصلت لهم من أعمالهم دون الوقت الذي ينتهي إليه أعمارهم وبعبارة أخرى آخر درجة نالوها من فعلية الوجود لا الساعة التي ينتهي إليها حياتهم فيرجع المعنى إلى أن بعضنا استمتع ببعض بسوء اختياره وسيّئ عمله فبلغنا بذلك السير الاختياري ما قدرت لنا من الأجل ، وهو أنّا ظالمون كافرون . فمعنى الآية : ويوم يحشرهم جميعا ليتم أمر الحجاج عليهم فيقول للجن : يا معشر الجن قد استكثرتم من ولاية الإنس وإغوائهم ، وقال أولياؤهم من الإنس في الاعتراف بحقيقة الأمر : ربنا استمتع بعضنا ببعض فاستمتعنا معشر الإنس من الجن بأن تمتعنا بزخارف الدنيا وما